أحمد بن علي القلقشندي
65
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
أنت مقامه ، وصرّف بك بين أهل الطاعة والعصيان إكرامه وانتقامه ؛ رعيا لعهد سلفك الكريم ، ولما استوجبته نفسك النفيسة من وفور التعظيم والتكريم ؛ وعناية بالعساكر المؤيّدة الذين وجّهوا وجوه آمالهم إليك ، وأبت كلمتهم التي صانها اللَّه عن التفرّق أن تجتمع في الطاعة والخدمة إلَّا عليك ولديك ؛ ومنّة عليهم بسلطان ما برحوا من اللَّه تعالى يطلبونه ، وملك نشأوا بأبوابه العالية فلهذا يحبّهم ويحبّونه . فاحمد اللَّه تعالى الذي جعل لك في إعادة الملك أسوة بسليمان عليه السلام ، وردّه إليك ردّا لا انفصال لعروته ولا انفصام ؛ فأضحيت لأمور عباده سدادا ، ولثغور بلاده سدادا ، وللخليفة عضدا في الخليقة ، وفي الدهر سامي الحقيقة حامي الحقيقة ، وللملك وارثا ، ورقّاك رقيّا أصبحت به في السلطنة واحدا وللخلافة المعظمة ثانيا وللقمرين ثالثا . وبشراك ! أنّ اللَّه أبرم سبب تأييدك إبراما لا تصل الأيدي إلى نقضه ، وأنك سئلت عن أمر طالما أتعب غيرك سؤاله في بعضه ؛ وأن اللَّه يحسن لك العون وبك الصّون ، فقد قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « يا عبد الرّحمن بن سمرة ! ( 1 ) لا تسأل الإمارة فإنّك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها » . وبشراك ! أن أمير المؤمنين خصّك بمزيد الاعتناء ، وأقامك مقامه في حسن الغناء ، وحقّق أنّ السعادة في أيامه موصولة منكم بالآباء والأبناء ؛ وبلَّغك بهذا التقليد الشريف الأماني ، وتوّجه بيمين قريبة عهد باستلام الرّكن اليماني ؛ واصطفاك بقلب أظهر له الكشوف إشراق تلك السّتور ، وغدا مغمورا بالهداية ببركة البيت المعمور ، ونظر زادته مشاهدة الحرم الشريف النبويّ نورا على نور ؛ فقابل ( 2 ) ذلك بالقيام في مهمات الإسلام ، وتدقيق النظر في مصالح الخاصّ والعام ؛
--> ( 1 ) صحابي أسلم يوم الفتح . وكان اسمه عبد الكعبة ، وقيل عبد كلال ، فسماه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عبد الرحمن . توفي سنة 50 ه . وقيل سنة 51 ه . بالبصرة . ( تهذيب الأسماء : 1 / 296 ) . ( 2 ) في مآثر : « وقابل » .